عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

59

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

يعقوب فقالا له : ضاعت غنمنا ولا تعلم من أخذها ، ولا علمنا لها خبرا أصلا ، ولا وقعنا لها على أثر ، فأتيناك لتدعو لنا ، ولعلّ اللّه ببركتك يجمع علينا غنمنا . فقال لهم : لا بأس عليكم ، يحفظ اللّه عليكم غنمكم ، إن شاء اللّه . فقالا : الشيخ شيخ الاطلاع ، ولعلّ اللّه يجمع علينا غنمنا . وكانا إذ ذاك ساكنين بمنزل الأجم ولم يزالا بها ، فلمّا صلّيا العشاء الآخرة قال لهما الشيخ : [ يا شيخا زواوة ] « 1 » شوّش عليكما طرف من الدنيا لا قدر لها ، واللّه تعالى يقول : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [ النّساء : 77 ] فقال له : المال معلّق بالقلب ، فقال الشيخ : لا حول ولا قوة إلا باللّه ، ما سلم من الدنيا إلا من سلمه اللّه عزّ وجل . ثم قال لهم : قوموا واستريحوا فإذا كان غد « 2 » إن شاء اللّه ، يأتي الفرج من عند اللّه ، ففرحوا بذلك وطمعوا ، فلما صلّيا الصبح مع الشيخ قال [ لهم ] « 3 » : ما نمتم البارحة ، فلو حزنتم على دينكم ، لحصل لكم المقصد « 4 » . ثم قال : امضيا إلى الشّعبة الفلانيّة ، سمّاها لهما ، فإن الغنم مكمنة فيها ، فإن الذين ساقوها كمنوها في ذلك الموضع وهي مقيدة بالقدرة بفضل اللّه حتى تصلاها وتسوقاها ، وأعرفكم أن الأذياب دائرون عليها ، وما ضرّوها ، ففرحنا ، وتمرّغنا على قدميه وقلنا : هذه عادتك معنا ومع غيرنا ، تجبر المكسور . وانصرفنا عنه ، وما مشينا بل جرينا حتى وصلنا إلى الموضع الذي ذكر لنا ، فوجدنا الغنم كما ذكر لنا والأذياب « 5 » دائرة بها ، وما نقص من الغنم رأس واحد ، فسقناها إلى بلدنا . ومنها ما أخبرني به من نثق به قال : كنّا في رفقة مع الشيخ أبي علي سالم ، ونحن متوجهون لزيارة الشيخ أبي هلال ، فبينما نحن في الطريق ، إذ حانت صلاة الظهر ، فنزلنا وتوضّينا وقال الشيخ للإمام : تقدم للصلاة ، فألحّ عليه جميعهم أن يصلي هو بهم ، فأجابهم إلى ذلك وقال : يا فقراء ، أتريدون أن أصلي بكم خصوصا أو عموما ؟ قالوا : خصوصا ، ولم يعلموا قدر ذلك ، قال لهم : نعم . قال : ثم أقاموا الصلاة ، وتقدم الشيخ ، وكبّر وكبّروا ، فلما سلّم من الصلاة ، وسلّموا وراءه فالتفتوا ، فإذا هم في جزيرة في وسط البحر ، والبحر محيط بهم ، ولم يجدوا برّا ، فاستقبل

--> ( 1 ) سقط من : ت . ( 2 ) في ت وط : غدا . ( 3 ) سقط من : ت . ( 4 ) ت : المقصود . ( 5 ) الصواب : الذئاب .